ابن تيمية

29

مجموعة الرسائل والمسائل

وشهود العارفين ، لكنك لم تقل هذا لوجهين ( أحدهما ) أنها لا تصير آيات إلا بعد أن يخلقها ويجعلها موجودة ، لا في حال كونها معدومة معلومة ، وأنت لم تثبت أنه خلقها ولا جعلها موجودة ، ولا أنه أعطى شيئاً خلقه ، بل جعلت نفسه هو هي المتجلية له . الوجه الثاني : أنك قد صرحت بأنه تجلى لها وظهر لها ، لا أنه دل بها خلقه وجعلها آيات تكون تبصرة وذكرى لكل عبد منيب . والله قد أخبر في كتابه أنه يجعل في هذه المصنوعات آيات ، والآية مثل العلامة والدلالة كما قال ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . إلى قوله . لآيات لقوم يعقلون ) وتارة يسميها نفسها آية كما قال تعالى ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ) وهذا الذي ذكره الله في كتابه هو الحق . فإذا قيل في نظير ذلك : تجلى بها وظهر بها كما يقال علم وعرف بها ، كان المعنى صحيحاً لكن لفظ التجلي والظهور في مثل هذا الموضع غير مأثور . وفيه إيهام وإجمال . فإن الظهور والتجلي يفهم منه الظهور والتجلي للعين لا سيما لفظ المتجلي وأن استعماله في التجلي للعين هو الغالب . وهذا مذهب الاتحادية ، صرح به ابن عربي وقال : فلا تقع العين إلا عليه . ( 1 ) وإذا كان عندهم أن المرئي بالعين هو الله فهذا كفر صريح باتفاق المسلمين . بل قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " واعلموا أن أحداً منكم لن يرى ربه حتى يموت " ولا سيما إذا قيل : ظهر فيها وتجلى ، فإن اللفظ يصير مشتركاً بين أن تكون ذاته فيها أو تكون قد صارت بمنزلة المرآة التي يظهر فيها مثال المرئي ، وكلاهما باطل . فإن ذات الله ليست في المخلوقات ، ولا في نفس ذاته ترى المخلوقات كما يرى المرئي في المرآة ، ولكن ظهورها دلالتها عليه وشهادتها له ، وإنها آيات له على نفسه وصفاته سبحانه وبحمده ، كما نطق بذلك كتاب الله .

--> ( 1 ) بياض في الأصل